محمد سعيد رمضان البوطي
72
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
يزعمون بأن الدعوة التي قام بها محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، إنما هي من وحي بيئته العربية نفسها ، وأنها إنما كانت تمثل حركة الفكر العربي إذ ذاك . فلو كان كذلك ، لما كان رصيد هذه الدعوة بعد سنوات ثلاث من بدايتها ، أربعين رجلا وامرأة ، معظمهم من الفقراء والمستضعفين والموالي والأرقاء ، وفي مقدمتهم أخلاط من مختلفي الأعاجم : صهيب الرومي ، وبلال الحبشي . وسوف تجد في البحوث القادمة أن بيئته العربية نفسها هي التي أرغمته على الهجرة من بلاده وأرغمت أتباعه من حوله على التفرق هنا وهناك والخروج إلى بلاد الحبشة مهاجرين ، وذلك كراهية منها للدعوة التي زعموا أنه إنما كان يمثل بها نوازعها وأفكارها . الجهر بالدعوة قال ابن هشام : « ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من النساء والرجال حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدّث به . فأمر اللّه رسوله أن يصدع بما جاءه من الحق ، وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إليه ، وكان بين ما أخفى رسول اللّه أمره واستتر به إلى أن أمره اللّه بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه . ثم قال اللّه له : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ الحجر 15 / 94 ] . وقال له : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء 26 / 214 و 215 ] . وحينئذ بدأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بتنفيذ أمر ربه . فاستجاب لقوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ بأن صعد على الصفا فجعل ينادي : « يا بني فهر ، يا بني عدي ، حتى اجتمعوا ، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر : ما هو ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم . . ألهذا جمعتنا ؟ » . فنزل قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ « 4 » [ المسد 111 / 1 ] . ثم نزل الرسول فاستجاب لقوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ بأن جمع من حوله جميع ذويه وأهل قرابته وعشيرته ، فقال : « يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني مرة بن كعب : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد شمس : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد مناف : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب : أنقذوا أنفسكم من النار ، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من اللّه شيئا غير أن لكم رحما سأبلّها ببلاها » « 5 » .
--> ( 4 ) متفق عليه . ( 5 ) متفق عليه واللفظ لمسلم ، وقوله : سأبلّها ببلاها أي سأصلها بصلتها .